السيد محمد تقي المدرسي

132

من هدى القرآن

أن الله لا يهلك الرسول صلى الله عليه وآله ومن معه إنما يرحمهم ، لأنه الرحمن وقد آمنوا به وأطاعوه بالتوكل عليه وحده « وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا » ، ولا يخيب من توكل على الرحمن ، فإنه سيكون حسبه ، يفيض عليه من بركاته ورحماته ، ويجيره من العذاب والهلاك . أما الكفار والمشركون فقد ضلوا ضلالا مبينا حينما كفروا بربهم وبالآخرة ، واعتقدوا بالأنداد المزعومين واعتمدوا عليهم ، وإذا كانوا يجهلون مدى ضلالتهم ، أو استطاعوا أن يخفوها عن الآخرين ، فإن الحقيقة ستظهر جلية في المستقبل ، وسيفتضحون أمام الناس عند الجزاء ، بالرغم من أنهم يتهمون المؤمنين والقيادة الرسالية بالانحراف ويحاولون أن يقنعوا الرأي العام بذلك . « فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » . [ 30 ] ويختم السياق سورة الملك مثيرا الخشية من الله بما يؤكد أنه وحده الذي بيده الملك وأنه على كل شيء قدير وأنه الرحمن ، ويحذر من أنه قادر على الذهاب بمائهم الذي ترتكز عليه الحياة ، فلا أحد حينئذ يقدر على أن يأتيهم بماء ، أترى لو جعل الله الماء أجاجا من الأساس بحيث لا يصلح للشرب والزراعة ، أو جعله لا يمكن تفكيك أجزائه وتحليته ، أو قرَّب موقع الشمس حتى تبخرت المياه جميعا ، هل استمرت الحياة عليها ، ومن أين كانوا يأتون بالماء ؟ . « قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً » والغور : القعر والعمق من كل شيء ، وغار الماء : ذهب في أعماق الأرض واختفى فلا تصل إليه يد الناس . وإن وقع هذا الإنذار في الوسط الذي تنزلت فيه يومئذ ( شبه الجزيرة العربية ) حيث يعز الماء ، وفي تلك العهود حيث الإنسان لم يكتشف بعد وسائل التنقيب عن الماء وحفر الآبار العميقة ، لا شك أنه كان عظيما ، ولا يزال وسيبقى كذلك عند أولي الألباب من المؤمنين الذين يعرفون ربهم وقدرته المطلقة ، فهم يخشونه دائما ويخافون سطواته ، ويدركون الإجابة عن قوله تعالى : « فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ » إنها النفي القاطع الشامل الأبدي : لا أحد يا رب العالمين . لأن الله وحده هو الرحمن والمالك والقادر الذي لا يُغلب . وقد قال المفسرون في معنى « مَعِينٍ » أنه الماء الذي من كثرته يظهر على وجه الأرض ويُرى بالعين ، فهو معين ، خلافا للغائر الذي شحَّ واختفى ، وقيل : هو الماء الجاري من العيون . وقد أعطى أئمة الهدى عليهم السلام بُعدا عميقا للآية بتأويلها في إمام الحق ، بأنه الماء بما يحمله من رسالة الله والهدى للناس ، أوليس الماء عصب الحياة وعمادها ؟ كذلك الإمام ، لأنه يحيي أتباعه ببصائر الوحي وبالهدى إلى الحق في حياتهم . أوليس الكفر والضلال موتا ؟ قال الإمام الصادق عليه السلام : هَذِهِ نَزَلَتْ فِي الْقَائِمِ يَقُولُ : إِنْ أَصْبَحَ إِمَامُكُمْ غَائِباً عَنْكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيْنَ هُوَ فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِإِمَامٍ ظَاهِرٍ يَأْتِيكُمْ بِأَخْبَارِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَحَلَالِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ وَحَرَامِه ] « 1 » .

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 51 ص 52 .